أخبار عاجلة
الرئيسية / اخر خبر / أحمد بكر سليم يكتب : وحشانا رائحة زمن علاء الأسوانى ..!

أحمد بكر سليم يكتب : وحشانا رائحة زمن علاء الأسوانى ..!

 

 

 

لم يكن الطبيب يوما أستثنائيا فى حياتنا الثقافية ، بل هو نبت تلك الأرض الحرة رغم انف المارقين والمزيفين ، وحاملى المباخر من السادة العجزة والمكساحين ،بل كان ولازال مجددا لروح الآدب العربى ، الذى فتح عيون وعقول الأممو منذ بداية التاريخ الأنسانى ، تلك العقول والرموز ، التى باتت تودع عاصمة الأدب والفكر ..!
عرفته عام 2003 .. حينما حدثى عنه الأديب الشاب الراحل ( محمد حسين بكر ) .. كنا فى مقهى ( أفتر ايت ) بوسط البلد .. فبعد ان جلسنا نتصفح جريدتى ( القاهرة اليوم ) فى عددها الأول وكنت وقتها ( أصغر رئيس تحرير سنا فى مصر .. كنت منتشى اتيها بالكبرياء الصحفى ، لما حققته الجريدة فى عددها الأول ، الذى حمل عنوان خطير بالون الأحمر ( زكريا عزمى يحكم مصر من تحت الترابزة ..! )
و مع ارتفاع سقف حرية قلمى فى عصر الطواغيت كان النجاح الممزوج بالثقة فيما نقدمه للرأى العام .. نظر ( صديقى ) فى ساعة يده ، ثم هب واقفا كمن لدغته حية قاتلة .. وقال هات فلوس .. اندهشت لتغير حاله ..!
ايه يا محمد .. فى ايه الحكومة طبت علينا حانبدأ نطارد من دلؤقتى .. ؟!
قال بصوت أجش وابتسامته التى دوما ماكانت تغزو العيون :
الندوة ..!
ندوة مين ؟
علاء الأسوانى ..
مين عم علاء الأسوانى ده ؟
بيبيع ايه فى مصر .!
بيبيع ثقافة وتنوير وفكر .. قوم حالا .. لو عايز تبقى مبدع بجد قوووم معايا ..!
باقولك ايه ماتخديش كده فى دوكة .. أنا افهم الآول رايحين فين وعند مين ..!
حاتيجى معايا الندوة لازم اعرفك على الدكتور ( علاء الأسوانى ) ده اهم روائى فى مصر .. ده نوبل الجاى .. هو فى قلبى زى عم ( جمال الغيطانى ) ..!
وانطلقنا انا والمغفور له ( محمد حسين بكر ) على مقهى ( الندوة ) كان خميسا مختلفا .. لم اكن اتصور مارأيت .. ولأنى غير معتاد على زيارة أضرحة المثقفين ، وصالوناتهم الميتة ، التى لا تضم الا العواجيز والمكساحين ، من أصحاب زرع السيرة الذاتية بالأكراه ، من رجال عصر الملك فاروق .. !

 

 

 

اسرعنا الخطى نحو المكان المقصود الغير بعيد ، حتى وصلنا بالسلامة ، وانا اتلفت حولى ربما تكون اعين مباحث امن الدولة ترصدنا .. عادى يعنى اهلا بيهم ، وكان المشهد الذى بدأ بالليل الداخلى .. مقهى صغير بوسط البلد ، يضم عشرات الشباب اللى زى الورد المفتح .. انبهرت من جمال المشهد .. شاب اسمر وسيم يعمل طبيبا للأسنان ، هادىء الطباع ومتزن .. تستقر وحمة حمراء اسفل شفاه ، اكسبته وسامة اكثر من وسامة ابن النيل ، ابن اسوان الطيبة المخلصة .. تراه مبتسم ابتسامة من خلاصة النقاء .. من مصالحة مع النفس مع الزمن مع الوطن والناس .. يرتدى قميصا مقلم بخطوط سوادء رفيعة على ارضية بيضاء وبنطلون أسود اسفله حذاء اسود من ماركة عالمية .. وبين أصابعه سيجارة فاخرة ، وثلاث علب دخان من نفس الصنف ( الميريت ) الذى اكره تدخينه ، لأنه دخان الأغنية ..! وقولت فى نفسى ( هى ناقصة ارستقراطين ) لأعلم فيما بعد ان الست ولدته كذلك بنت ناس ارستقراطين ، واب اديب اسوانى بسيط دخل الدنيا وخرج منها بنفس طهر الروح التى اتى بها إلى الوجود .
رأيته جالسا كمارد على كرسى فى آحدى الأركان .. يعطى ظهره للشارع وكأنه لا يهاب من آحد ، يلتف حوله مجموعة من الشباب من الجنسين ، دلفنا المكان المقصود .. سلم صديقى على الدكتور واعتذر له عن التآخير .. وقدم له العذار بتقديمى له ..
يادكتور ده ( أحمد بكر سليم ) صحفى مالهوش حل ولا له سقف ومؤسس صحافة المشاغبين .. واكتب معه فى الجريدة دى ( القاهرة اليوم ) الحمد لله انا بقيت صحفى لأن مهنة الأدب خلتنى اتسول لقمتى .. وانشاء الله حايحبسنى معاه قريب لأنه عمال بيخبط فى الراس الكبيرة وبطانة السوء الغاشمة ..!
لكن اهم ما فيه .. هو شاعر عامية ماجبتهوش ولاده .. ده فؤاد حداد الجديد ..!
انحنيت له فى آدب جم وصافحته ..ودار الحوار بين الجميع عن ( أدب نجيب محفوظ ) وراح الطبيب الأديب يتحدث عن ( محفوظ ) كما لو انى لآول مرة اسمع هذا الكلام .. ثم تترك بشياكة وخفة الطيرالمهاجر من الأدب المصرى للأدب الفرنسى ، عن الديب العالمى ( فيكتور هوغر ) وبعض اعماله وتاثيره عالميا فى الأوساط الأدبية ، منحنا الطبيب الأديب ( علاء الأسوانى ) وجبة دسمة ، اعطانا درسا جديدا فى أدب فرنسا ، ومازلت اتذكر كلماته فى تقديم ( فيكتور هوغر ) حيث قال فيه :
أشهر الروايات التي قدمها فيكتور هوغو رواية (( البؤساء )) التي قام بنشرها في عام 1862 ميلاديا وتم تصنيفها من بين أهم روايات القرن التاسع عشر الميلادي، تدور احداث رواية البؤساء على القضايا الاجتماعية و الظلم الذي يقع على فئات المجتمع بفرنسا وانصب اهتمامه على فترة سقوط نابليون بونابارت ، و الثورات التي اندلعت بعدها ، ابرزها تلك الثورة التي كانت ضد ( الملك لويس فليب ) تناول فكتور بداخل الرواية قصة حياة بعض الاشخاص وكانت ابرز شخصية بالرواية هي شخصية ( السجين جان فالجان ) ، .. من لحظتها نورت فى دماغى فكرة ( أدب السجون ) فهذا الأديب الشاب فتح لى آفاق ارحب .. لأن السجن والأعتقال كان بالنسبة لى منحة من عند الله كنت انتظرها كما كنا على وعد لفتح سكة جديدة حتى اكون مختلفا عن الآخرين .. وأصدقكم القول انى سعيت بكتاباتى كى أدخل السجن .. اقتحم هذا العالم الذى شغلنى منذ كنت فى العاشرة من عمرى آبان عصر ( السادات ) حينما قبض على انا ومشرف النشاط الأجتماعى فى مدرسة ( عثمان بن عفان ) بالأسكندرية عام 1980 ، ولكى يتسنى لى ان اكتب عن السجناء مثلما فعل ( فيكتور هوغر ) ..!
ولأول مرة اجلس فى صالون ثقافى ، يبهر الناظرين ويغذى العقول التواقة لمثل هذا النوع من الثقافة والفكر الحديث الراقى المنزوع من اى عقم او جهل او مفاهيم مغلولة .. شجعنى حديثه الشيق لأقترب من الطبيب المصرى أكثر ، وعرفته بنفسى اكثر وعن بعض اهتماماتى الأدبية .. كنت فى عز صبايا الأدبي .. واعطيته فكره عن ميولى .. فانا اجمع مابين كتابة القصص والشعر العامى ومهنة الصحافة المستقلة ، فأنا اكره التقيد بالجهل المهنى فى صحف النفاق .. جاءت نصائح الأديب الكبير للأديب الناشىء المغمور الذى لا يعرفه الا المئات من الجماهير لا الملايين التى تعرفه هو بعد نجاحه المبهر الذى حققته ( عمارة يعقوبيان ) تلك الرواية التى كشفت قبح المجتمع واسافليه ..!

 

 

نصحنى ( الأديب الطبيب الطيب ) ان اتخصص فى نوع واحد من الأدب ، واشتغل على نفسى ووجدانى وأدواتى وما املك فقط .. اكون شاعرا متخصص فى أدب السجون او اكون قاص .. ! وقال خلى بالك الصحافة حاتسرق منك عمرك ..!
خرجت من ( مقهى الندوة ) القريب من ميدان طلعت حرب ، وانا عامل دماغ لم اجربها من قبل ، سرت وحدى ، وانا اردد فى ذهنى عباراته ، ونصائحة وعطاءه الطيب المنزوع من أسلحة الغيرة والغش والضغائن السوداء التى اصابت معظم الأدباء فى ذلك العصر ..!
تركته على امل اللقاء مرة آخرى ، يوم الخميس القادم .. اذهب لمناقشة ديوانى الأول ( ماكنتش واخد بالى ) وسأقدم النسخ وعليها توقيع الأهداء لصاحب الصالون الراقى ورواده ..!
ومرت الأيام مسرعة وانا انتظر لقاء الأديب الطبيب الذى بهرنى وملك كيانى .. انه الأستاذ الذى علمنا كيف نحب هوايتنا ، نكرس مابداخلنا وندفع من عمرنا سنوات ليست ضائعة فى الأرتقاء بفكرنا ..!
انبهرت به اكثر عندما قرأت روايته العبقرية ( عمارة يعقوبيان ) التى تعد هى الرواية الوحيدة التى قرأتها كاملة دون ملل او ضيق او تململ واعتقدت وقتها انه أدب جديد بسيط جدا فى تذوقه وتناوله لقضايا مهمة حفرت على جدران تاريخ وسط البلد ..!
فهو ابن الوز الأدبى ، ابن الأديب ( عباس الأسوانى ) الذى لم ينال شهرة ابنه ..! الذى أصبح عوام بقدرة قادر .!
هذا الذى شرفنا فى المحافل الدولية وحصل على جوائز ادبية لم ينالها غيره فى مصر ..!
لذا لم اجد من الكلمات مااعبربه عن مدى شوقى لتلك الأيام التى ولت وتركت فى نفوسنا ازكى رائحة عطرة .. سكنت الروح والعقل والضمير .. ومنحنا صوتا حرا نقول مانريد فى اى وقت نريد ..!
انها رائحة ( علاء الأسوانى ) التى اشتقت لها كثيرا ..!

عن Alex

شاهد أيضاً

السيدة (( سلوي عسل )) تفوز بشخصية العام ٢٠١٩ في الأداء الحزبي والنشاط النسائي عن حزب مستقبل وطن في الأسكندرية ..

اخبار الشرق الأوسط كتب .. أحمد بكر سليم فى إستفتاء موقع أخبار alex الشرق الأوسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*